الآية ٥٨ من سورة الإسراء والغدير

ذُكِرَت الآية ٥٨ من سورة الإسراء في خطبة الغدير لتصوير هلاك الناس بسبب تكذيب الحجج الإلهية وخلافة الإمام المهدي في أرضهم.

الآية ٥٨ من سورة الإسراء والغدير
مواصفات الآية
محتوى الآية

وُصِفَ الموقف التاريخي لاستخدام الآية ٥٨ من سورة الإسراء في خطبة الغدير على النحو التالي: طرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جزء من القسم السادس من خطبة الغدير مسألة غصب الخلافة صراحةً. ثم لعن النبي الغاصبين وألقى تحذيره التالي بالآية ٥٨ من سورة الإسراء، وبمناسبتها ذُكِرَ اسم الإمام المهدي عليه السلام.

ويرى بعض الباحثين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة الغدير، بناءً على الآية ٥٨ من سورة الإسراء، فسر سبب هلاك الأمم قبل يوم القيامة في اتجاهين: أن سبب هلاك الأراضي هو التكذيب بآيات الله وحججه؛ وأن هلاك الأراضي سيحدث قبل يوم القيامة، وأن الإمام المهدي عليه السلام سيكون مالكًا وحاكمًا لهذه الأراضي.


آية تتعلق بمواجهة أعداء الغدير

تُعَدُّ الآية ٥٨ من سورة الإسراء من الآيات المستخدمة في الغدير لتوضيح مراحل الامتحان الإلهي للغدير فيما يتعلق بأعدائه. وقد أوضح بعض الباحثين أساس استخدام هذه الآية على النحو التالي: كان أكبر امتحان للبشرية في الغدير امتحانًا شاملاً، وقد تم إتمام الحجة فيه بشكل كامل، ولم يبق لأحد أي مفر أو ذريعة.

في هذا الامتحان الإلهي، كانت الجوانب التي يمكن أن تكون مصدرًا للاختبار متعددة، كما أن الأسباب التي يمكن أن تكون دافعًا شيطانيًا للسقوط في الامتحان ظهرت في مظاهر مختلفة. وقد أوضح النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته الطويلة هذه الظروف الامتحانية للناس ليتأهبوا لها تمامًا. وقد تنبأ النبي بهذا المستقبل المرير للاختبار إشارةً وصراحةً، وبيّن مراحل هذا الامتحان العظيم بالاستشهاد بـ ١١ آية مضمونة في خطبة الغدير.[١]

ومن هذه الآيات الآية ٥٨ من سورة الإسراء:  وَ إِنْ مِنْ قَرْیَةٍ إِلاّ نَحْنُ مُهْلِکُوها قَبْلَ یَوْمِ الْقِیامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِیداً کانَ ذلِکَ فِی الْکِتابِ مَسْطُوراً .


الآية في نص الخطبة

وردت الآية ٥٨ من سورة الإسراء في نص خطبة الغدير على النحو التالي: مَعاشِرَ النّاسِ، انَّهُ ما مِنْ قَرْيَةٍ الاّ وَ اللَّه مُهْلِكُها بِتَكْذيبِها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ، وَ مُمَلِّكُهَا اْلامامَ الْمَهْدِىَّ وَ اللَّه مُصَدِّقٌ وَعْدَهُ؛ معاشر الناس، إنه ما من قرية إلا والله مهلكها بتكذيبها قبل يوم القيامة، ومملكها الإمام المهدي، والله مصدق وعده.[٢]


الموقف التاريخي

وُصِفَ الموقف التاريخي لاستخدام الآية ٥٨ من سورة الإسراء في خطبة الغدير على النحو التالي: طرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جزء من القسم السادس من خطبة الغدير مسألة غصب الخلافة صراحةً، وقال: «سوف يجعلون الإمامة بعدي ملكًا ومكانًا مغصوبًا». ثم لعن النبي الغاصبين، وبعد الإشارة إلى الآيات ٣١ إلى ٣٥ من سورة الرحمن، والآية ١٧٩ من سورة آل عمران، كان التحذير التالي هو الآية ٥٨ من سورة الإسراء، وبمناسبتها ذُكِرَ اسم الإمام المهدي عليه السلام.

هذا الجزء من خطبة الغدير هو نفس عبارة الخطبة في الآية ٤٥ من سورة الحج؛ ولكن في بعض النسخ كانت العبارة مختلفة، وهي اقتباس من آية أخرى، وتكملتها تشير إلى الإمام المهدي عليه السلام، وتدل على امتحان عظيم في تصديق وتكذيب الحجج الإلهية عليهم السلام، وأن جزاء ذلك سيصيب فاعليه في الدنيا قبل الآخرة. وقد تم ضمان الآية في كلام النبي على النحو التالي: تم تغيير جملة  نَحْنُ مُهْلِکُوهَا  إلى اللهُ مُهلِكُها.[٣]


الموقف القرآني

يُصوَّرُ موقع الآية ٥٨ من سورة الإسراء ضمن آيات القرآن الكريم التي تتحدث عن العذاب الإلهي، حتى أن الآية ٥٧ تقول: «لأن عذاب ربك مخيف». ثم ذكرت هذه الآية، وهي من الآيات الشديدة في القرآن الكريم عن العذاب.

إن ذكر هلاك الأراضي في الآية بشكل مطلق وتقييده بعبارة «قبل يوم القيامة» يدل على أنه يشير إلى مسألة خاصة ويحتاج إلى تفسير؛ لأن جميع الأراضي يجب أن تستحق الهلاك لسبب ما، وما هو هذا السبب الذي يشمل جميع الأراضي؟[٤]

تحليل اعتقادي

يرى بعض المحققين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة الغدير، وبناءً على الآية ٥٨ من سورة الإسراء، قد فسّر سبب هلاك الأمم قبل يوم القيامة بأوجز عبارة؛ وقد صاغ هؤلاء المحققون هذا التفسير في اتجاهين:

الاتجاه الأول: سبب هلاك الأراضي

إن سبب هلاك الأراضي هو تكذيب أهلها لآيات الله وحججه. وهذا هو البلاء الذي لا تخلو منه أي أرض في العالم أجمع. ورغم كثرة الأخيار في كل مجتمع، فإن المكذبين هم الأغلبية دائمًا، سواء كان هذا التكذيب قلبيًا أو لسانيًا أو عمليًا. وعموم الآية يعود إلى الأغلبية، والحالات الاستثنائية قليلة جدًا لا تُذكر. والله ينجي تلك الأقلية من الهلاك، كما أنقذ أصحاب النبي نوح والنبي لوط عليهما السلام، وأهلك البقية.[٥]

الاتجاه الثاني: هلاك الأراضي قبل يوم القيامة

إن عبارة «قبل يوم القيامة» القيد الموجود في الآية لهلاك الأراضي، تدل على تسليم أمرها إلى الإمام المهدي عليه السلام. فالقيد المذكور في الآية ليس «إلى يوم القيامة»، بل «قبل يوم القيامة»، وهذا يعني هدفًا خاصًا يجب انتظار تحققه قبل يوم القيامة.

وقد بيّن الإمام هذا الأمر بإضافة جملة وَ مُمَلِّكُهَا الامامَ الْمَهْدِىَّ؛ ويجعل مالكها الإمام المهدي. ومعنى هذه العبارة أن الله كان يمكنه أن يؤجل جزاء المكذبين إلى يوم القيامة، ولكنه يهلكهم قبل يوم القيامة لتحقيق الولاية المطلقة للإمام المهدي عليه السلام، ويخرج الأراضي من تصرفهم ويجعلها تحت اختيار ذلك الإمام. وقد أضاف جملة تأكيدًا لهذا الوعد الإلهي وهي وَ اللَّه مُصَدِّقٌ ما وَعَدَهُ؛ والله مصدق ما وعده. ومن الواضح أن إرادة الرب قد تعلقت بتحقيق هذا الأمر العظيم قبل يوم القيامة.[٦]

إشارات أخرى إلى الإمام المهدي عليه السلام في خطبة الغدير

في موضع آخر من نص خطبة الغدير، صُرّح بهذا المعنى حيث يقول: الا انَّهُ الظّاهِرُ عَلَى الدّينِ. الا انَّهُ فاتِحُ الْحُصُونِ وَ هادِمُها. الا انَّهُ غالِبُ كُلِّ قَبيلَةٍ مِنْ اهْلِ الشِّرْكِ وَ هاديها …. الا انَّهُ لا غالِبَ لَهُ وَ لا مَنْصُورَ عَلَيْهِ؛ ألا إنه الظاهر على الدين. ألا إنه فاتح الحصون وهادمها. ألا إنه غالب كل قبيلة من أهل الشرك وهاديها... ألا إنه لا غالب له ولا منصور عليه.[٧]

الإمام الباقر عليه السلام أيضًا يقول في هذا الشأن: يَفْتَحُ اللَّه لَهُ شَرْقَ الارْضِ وَ غَرْبَها؛ يفتح الله له شرق الأرض وغربها.[٨] وفي ليلة المعراج، أخبر الله نبيه بذلك فقال: لاطَهِرَنَّ الارْضَ بِآخِرِهِمْ مِنْ اعْدائى وَ لامَكِّنُهُ مَشارِقَ الارْضِ وَ مَغارِبَها؛ لأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي ولأمكننه مشارق الأرض ومغاربها.[٩]


الهوامش

  1. الغدير في القرآن، ج٢، ص٢٣٥–٢٣٦.
  2. أسرار الغدير، ص١٥٠، القسم ٦.
  3. الغدير في القرآن، ج٢، ص٢٥٨.
  4. الغدير في القرآن، ج٢، ص٢٥٨–٢٥٩.
  5. غدير در قرآن، ج٢، ص٢٥٩.
  6. غدير در قرآن، ج٢، ص٢٦٠؛ واقعه قرآني غدير، ص٩٧؛ سخنراني استثنائي غدير، ص١٧٩–١٨٦.
  7. اسرار غدير، ص١٥٤–١٥٥، بخش٨.
  8. بحار الأنوار، ج٥٢، ص٢٩١.
  9. بحار الأنوار، ج٥٢، ص٣١٢، ح٥.


المصادر

  • أسرار الغدير؛ محمد باقر أنصاري، طهران: نشر تك، ١٣٨٤هـ ش.
  • بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار؛ محمد باقر بن محمد تقي مجلسي، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ١٤٠٣هـ ق.
  • الخطاب الاستثنائي للغدير؛ محمد باقر أنصاري، قم: انتشارات دليل ما، ١٣٨٦هـ ش.
  • الغدير في القرآن، القرآن في الغدير؛ محمد باقر أنصاري، قم: انتشارات دليل ما، ١٣٨٧هـ ش.
  • واقعة الغدير القرآنية: تقرير رحلة النبي التي استمرت شهرًا لإعلان الولاية في ظل الآيات القرآنية؛ محمد باقر أنصاري، قم: انتشارات دليل ما، ١٣٨٦هـ ش.